|
من يتحمل الماضي نصف ساعة؟ |
|
|
|
|
الكاتب: ميري اليوسف
|
|
01 / 05 / 09 |
|
HTML clipboard
رحم الله أيام زمان، فقد كانت الدنيا أصعب وأكثر ظلمة
وقسوة، التنقل الذي يتم الآن بواسطة حافلات مريحة ومضاءة ومكيفة وسريعة كان يتم على
الدواب، فكان المزارع يركب الحمار من حقله إلى البيت عبر طريق فتتسرب كل تضاريس
الطريق الوعرة إلى نخاعه الشوكي وإلى دماغه.
رحم الله أيام زمان، كانت سخونة الطفل فيه تؤدي إلى الوفاة بسبب جهل الأهل وقلة
الأدوية.
HTML clipboard
كان الأهل يظنون أن عليهم تدفئة الطفل بسبب الحمى التي ترافقها قشعريرة،
ومن ثم كانوا يلفونه بالبطانيات الصوفية ويقربونه من الموقد، وبما أن حرارته أصلاً
تكون ٣٩ أو أكثر فكان يموت في دقائق.
رحم الله أيام زمان، عندما كان طلاب المدارس يقطعون المسافات مشياً وهم حفاة شبه
عراة ليصلوا إلى الشجرة المقدسة التي كان يجلس تحتها معلمهم "الكشر" حيث كانوا
يتلقون أقسى العقوبات لأتفه الأسباب حتى لو سعلوا.
رحم الله أيام زمان، عندما كان الحج انطلاقاً من بلاد الشام أو الإمارات وعُمان إلى
مكة المكرمة يستغرق أربعة أشهر ذهاباً فقط، وكان الحاج يذوق المر بألوانه عبر
متاهات في البيداء ويتعرض للسع العقارب وتنخر عظامه برودة الصحراء ليؤدي شعائره
ويعود إلى أهله وقد تغير شكله وتغيرت معالم الدنيا من حوله.
رحم الله أيام كان الحلاق هو طبيب الحارة يعالج العيون ويقوم بالختان فيعمي هذا
ويسبب العقم لذاك، أيام كانت الحلاقة بشفرة لا نَصْلَ لها تدمي الجماجم.
نحنّ إلى الماضي لكني على يقين من أن أحداً لا يقبل أن يعود إليه أكثر من نصف ساعة،
ونعتبره حلواً لأنه مضى، وكل ما مضى في حياة الإنسان وبخاصة العربي يعتبر حلواً،
وهذا من ضمن الأسرار في شخصية الفرد العربي. دوماً مدرسته السابقة كانت أفضل من
الحالية ومنتخب بلاده قبل عشر سنوات أفضل من الحالي ولياقته البدنية كانت أفضل وكان
أسرع وأذكى وأقوى. الأصلع كان "أبو جدايل" في الماضي والجاهل كان عالماً في
الميتافيزيقيا ذات مرة قبل أن يسافر إلى بلاد الفرنجة ويتعرض لحقنة غادرة من طبيب
ماسوني، والأعرج كان عدّاءً لا يشق له غبار سابقاً وهكذا.
حنيننا إلى الأيام الماضية وهم كبير على ما أرى، حتى الشيء الوحيد الذي كان جميلاً
وهو ترابط الناس وتواصلهم فقد كان بسبب فراغ حياتهم لا بسبب أنهم أكثر أخلاقاً من
أبناء اليوم، وأظن أن أحدنا لو تعطلت به سيارته الآن على جانب الطريق مثلاً ووجد من
يحادثه ويتواصل معه لفعل. أذكر أنه في العام الماضي في الأردن انقطعت الكهرباء بسبب
عاصفة ثلجية، فما كان من الجيران إلا ان اجتمعوا في بيت واحد يتسامرون ويقصون
القصص. جمعهم الخوف والفراغ والظلام ولم تجمعهم ضمائرهم التي صحت فجأة. في السجن
يتواصل المسجونون بكل ودية وعندما ينهون مدتهم تنقطع بينهم الصلات لأن طبيعة الحياة
المعاصرة لا تعطي الإنسان وقتاً للتواصل مع الآخرين.
رحم الله أيام زمان وغفر لها فقد كانت زوجة أب قاسية.
المشاهدة: 2847
روح المعاني |
|
آخر تحديث لهذا المقال ( 15 / 06 / 09 )
|